فوزي آل سيف
34
النقي الناصح الإمام علي بن محمد الهادي
وَكَذلِكَ اَنْتَ لَمّا رُفِعَتِ الْمَصاحِفُ قُلْتَ يا قَوْمِ اِنَّما فُتِنْتُمْ بِها وَخُدِعْتُمْ، فَعَصَوْكَ وَخالَفُوا عَلَيْكَ، وَاسْتَدْعَوْا نَصْبَ الْحَكَمَيْنِ، فَاَبَيْتَ عَلَيْهِمْ، وَتَبَرَّأْتَ اِلَى اللهِ مِنْ فِعْلِهِمْ، وَفَوَّضْتَهُ اِلَيْهِم فَلَمّا اَسْفَرَ الْحَقُّ وَسَفِهَ الْمُنْكَرُ، وَاعْتَرَفُوا بِالزَّلَلِ وَالْجَوْرِ عَنِ الْقَصْدِ اخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِهِ، وَاَلْزَمُوكَ عَلى سَفَه التَّحْكيمَ الَّذي اَبَيْتَهُ وَاَحَبُّوهُ وَحَظَرْتَهُ، وَاَباُحُوا ذَنْبَهُمُ الَّذي اقْتَرَفُوهُ وَاَنْتَ عَلى نَهْجِ بَصيرَة وَهُدى، وَهُمْ عَلى سُنَنِ ضَلالَة وَعَمىً، فَما زالُوا عَلَى الِّنْفاقِ مُصِرّينَ، وَفِي الْغَيِّ مُتَرَدِّدينَ حَتىّ اَذاقَهُمُ اللهُ وَبالَ اَمْرِهِمْ، فَاَماتَ بِسَيْفِكَ مَنْ عانَدَكَ، فَشَقِيَ وَهَوى وَاَحْيا بِحُجَّتِكَ مَنْ سَعَدَ فَهُدِيَ صَلَواتُ اللهِ عَلَيْكَ غادِيَةً وَرائِحَةً وَعاكِفَةً وَذاهِبَةً، فَما يُحيطُ الْمادِحُ وَصْفَكَ، وَلا يُحْبِطُ الطّاعِنُ فَضْلَكَ، اَنْتَ اَحْسَنُ الْخَلْقِ عِبادَةً، وَاَخْلَصُهُمْ زَهادَةً، وَاَذَّبُهُمْ عَنِ الدّينِ، اَقَمْتَ حُدُودَ اللهِ بِجُهْدِكَ، وَفَلَلْتَ عَساكِرَ الْمارِقينَ بِسَيْفِكَ، تُخْمِدُ لَهَبَ الْحُرُوبِ بِبَنانِكَ، وَتَهْتِكُ سُتُورَ الشُّبَهِ بِبَيانِكَ، وَتَكْشِفُ لَبْسَ الْباطِلِ عَنْ صَريحِ الْحَقِّ، لا تَأخُذُكَ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِم، وَفي مَدْحِ اللهِ تَعالى لَكَ غِنىً عَنْ مَدْحِ الْمادِحينَ وَتَقْريظِ الْواصِفينَ، قالَ اللهُ تَعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلوُا تَبْديلاً)، وَلَمّا رَأَيْتَ اَنْ قَتَلْتَ النّاكِثينَ وَالْقاسِطينَ وَالْمارِقينَ وَصَدَقَكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَعْدَهُ فَاَوْفَيْتَ بِعَهْدِهِ قُلْتَ: اَما آنَ اَنْ تُخْضَبَ هذِهِ مِنْ هذِهِ؟ اَمْ مَتى يُبْعَثُ اَشْقاها؟ واثِقاً بِاَنَّكَ عَلى بَيِّنَة مِنْ رَبِّكَ وَبَصيرَة مِنْ اَمْرِكَ، قادِمٌ عَلَى اللهِ، مُسْتَبْشِرٌ بِبَيْعِكَ الَّذي بايَعْتَهُ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظيمُ،اَللّـهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ اَنْبِيائِكَ وَاَوْصِياءِ اَنْبِيائِكَ بِجَميعِ لَعَناتِكَ، وَاَصْلِهِمْ حَرَّ نارِكَ، وَالْعَنْ مَنْ غَصَبَ وَلِيَّكَ حَقَّهُ، وَاَنَكَرَ عَهْدَهُ، وَجَحَدَهُ بَعْدَ الْيَقينِ وَالاِقْرارِ بِالْوِلايَةِ لَهُ يَوْمَ اَكْمَلْتَ لَهُ الدّينَ، اَللّـهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ اَميرِ الْمُؤْمِنينَ وَمَنْ ظَلَمَهُ وَاَشْياعَهُمْ وَاَنْصارَهُم، اَللّـهُمَّ الْعَنْ ظالِمي الْحُسَيْنِ وَقاتِليهِ، وَالْمُتابِعينَ عَدُوَّهُ، وَناصِريهِ، وَالرّاضينَ بِقَتْلِهِ وَخاذِليهِ لَعْناً وَبيلاً، اَللّـهُمَّ الْعَنْ اَوَّلَ ظالِم ظَلَمَ آلَ مُحَمَّد وَمانِعيهِمْ حُقُوقَهُمْ، اَللّـهُمَّ خُصَّ اَوَّلَ ظالِم وَغاصِب لاِلِ مُحَمَّد بِاللَّعْنِ، وَكُلَّ مُسْتَن بِما سَنَّ اِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ اَللّـهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمَّد خاتَمِ النَّبِيّينَ وَعَلى عَلِيٍّ سَيِّدِ الْوَصِيّينَ وَآلِهِ الطّاهِرينَ، وَاجْعَلْنا بِهِمْ مُتَمَسِّكينَ وَبِوِلايَتِهِمْ مِنَ الْفائِزينَ الاْمِنينَ الَّذينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ". ثانيا/ الإمام الهادي في مواجهة تيارات الغلو بالرغم من أن بعض الباحثين[107]رأى أن المشكلة الأساس عند هؤلاء أو بعضهم على الأقل كانت إفشاء أسرار التنظيم، وهذه ـ لو تمت ـ فإنها لا شك مشكلة كبيرة، لكننا نعتقد أن الغلو هو أخو النصب والبغض لأبيه وأمه، بل وأسوأ منه! فإن سياسة بغض أمير المؤمنين عليه السلام وأهله، مفضوحة ومكشوفة السوأة[108]إلى الدرجة التي لا تخفى على أحد بل قد تجر مقتل القائمين بها كما حصل للمتوكل ووزيره ابن خاقان. بينما الغلو قد يتسرب إلى الداخل الشيعي من دون أن تلحظ خطورته، بل ربما رأى فيه بعض غير الواعين انتصارا للمعصومين وإقرارا بمنزلتهم واعترافا بشأنهم وأنهم يستحقون ذلك! وربما كلما زاد الضغط والأذى على الأئمة وشيعتهم كان ذلك مبررا عند الغلاة ليتجاوزوا حد البشرية إلى حد الألوهية والشرك بالله. ويمكن لنا أن نلحظ أن الغلاة على قسمين؛ فمنهم من يدفعه للادعاء ببعض المقامات المغالية، ما ينتظره من زعامة جماعة والسيطرة عليها، وهؤلاء في الغالب لا يعتقدون بما يقولونه للناس وإنما يكذبون في ذلك. ويتخذون تلك الأفكار الباطلة سُلّمًا لرئاستهم، فهم يبدأون بالقول بأن الإمام الفلاني نعوذ بالله قد حل فيه روح الإله، وأنه أرسل هذا المغالي نبيًّا، أو أنه نبيٌّ وهذا المغالي بابه ونائبه وهكذا! والقسم الآخر؛ وهو من عامة الناس الذين يختلط عليهم الأمر فباسم تقديس الإمام يصدقون ما يقال لهم ويخدعون عن المنهج الصحيح.
--> 107 ) رأى د. المهاجر في كتابه الإمام الهمام علي الهادي ص 113أن مشكلة فارس بن حاتم بن ماهويه القزويني.. الأساس لم تكن الغلو وإنما كان إفشاء أسرار التنظيم وأنه جاء من بلده إلى سامراء لهذا الغرض فأهدر الإمام دمه ونفذ العملية شاب عراقي اسمه الجنيد. 108 ) سبط بن الجوزي: مرآة الزمان في تواريخ الأعيان 15/ 37، بعد ما ذكر هدم المتوكل قبر الحسين عليه السلام قال ـ وذكر بنفس النص غيره ـ «فكتبَ أهلُ بغداد سَبَّ المتوكِّل على الحيطان وفي المساجد والجوامع، ودَعَوا عليه عقب الصلوات، وهجاهُ الشعراء..